أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
99
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عبد الوارث « تنفخ » بنون العظمة مبنيا للفاعل . و « الصُّورِ » الجمهور على قراءته ساكن الواو ، وقراءة الحسن البصري بفتحها . فأما قراءة الجمهور فاختلفوا في معنى « الصُّورِ » فيها ، فقال جماعة : « الصُّورِ » جمع صورة ، كالصّوف جمع صوفة ، والثّوم جمع ثومة ، وهذا ليس جمعا صناعيا ، وإنما هو اسم جنس ، إذ يفرق بينه وبين واحدة بتاء التأنيث ، وأيدوا هذا القول بقراءة الحسن المتقدمة ، وقال جماعة : أن « الصُّورِ » هو القرن . قال بعضهم : هي لغة اليمن ، وأنشد : 1965 - نحن نطحناهم غداة الجمعين * بالشّامخات في غبار النّقعين نطحا شديدا لا كنطح الصّورين « 1 » وأيدوا ذلك بما ورد في الأحاديث الصحيحة ، قال عليه السّلام : « كيف أنعم ، وصاحب القرن قد التقمه . وقيل في صفته : إنه قرن مستطيل فيه أنحاش ، وأن أرواح الناس كلهم فيه فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجت روح كل جسد من نحش ، من تلك الأنحاش . وأنحى أبو الهيثم على من ادّعى أن « الصُّورِ » جمع « صورة » فقال : « وقد اعترض قوم ، فأنكروا أن يكون « الصُّورِ » قرنا ، كما أنكروا العرش والميزان ، والصّراط ، وادّعوا أن « الصُّورِ » جمع « الصّورة » ، كالصّوف جمع الصّوفة ، ورووا ذلك عن أبي عبيدة ، وهذا خطأ فاحش ، وتحريف لكلام اللّه عزّ وجلّ عن مواضعه ، لأن اللّه تعالى قال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ « 2 » وقال : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ « 3 » ، فمن قرأها : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ » ، أي بالفتح ، وقرأ : « فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ » ، أي : بالسكون - فقد افترى الكذب على اللّه تعالى ، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار وغريب ، ولم يكن له معرفة بالنحو » . قال الأزهري . قد احتج أبو الهيثم ، فأحسن الاحتجاج ، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه ، وهو قول أهل السنّة والجماعة انتهى » . ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم . وقال الفراء : يقال : نفخ في الصّور ، ونفخ الصّور ، وأنشد قول الشاعر : 1966 - لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم * ولا خراسان حتّى ينفخ الصّور « 4 » وفي المسألة كلام أكثر من هذا تركته إيثارا للاختصار . قوله : عالِمُ الْغَيْبِ في رفعه أربعة أوجه : أحدها : أن يكون صفة للذي في قوله : « وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ » ، وفيه بعد ، لطول الفصل بأجنبي . الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو عالم . الثالث : أنه فاعل لقوله : « يَقُولُ » ، أي : يوم يقول عالم الغيب . الرابع : أنه فاعل بفعل محذوف ، يدل عليه الفعل المبني للمفعول ، لأنه لما قال : « يُنْفَخُ فِي الصُّورِ » سأل سائل ، فقال : من الذي ينفخ ؟ فقيل عالم الغيب ، أي : ينفخ فيه عالم الغيب ، أي : يأمر بالنفخ فيه ، كقوله تعالى : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ » ، أي : يسبّحه . ومثله أيضا قول الآخر :
--> ( 1 ) انظر غريب القرآن ( 26 ) ، البحر ( 4 / 144 ) ، القرطبي ( 7 / 15 ) ، اللسان ( صبور ) . ( 2 ) سورة غافر ، آية ( 64 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 99 ) . ( 4 ) انظر البيت في المعرب ( 267 ) ، اللسان ( نفخ ) وابن جعدة هو عبد اللّه بن جعدة المخزومي . القهندز من لغة خرسان يغني الحصن .